الشيخ محمد رشيد رضا
364
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
السفينة إذا مالت إلى أحد جانبيها قاله الراغب وهو الذي فسر جنوح السفينة بما ذكر ، وفسره غيره بأنه عبارة عن بلوغها أرضا رقيقة تغرز فيها ويمتنع جريها ، وهذا المعنى يناسب الجناح أيضا على أن الجنوح معناه الميل وهو من الجنح بالكسر بمعنى الجانب . ومن فسر الجناح بالتضييق اخذه من قولهم جنح البعير ( بصيغة المجهول ) إذا انكسرت جوانحه ( أضلاعه ) لثقل حمله ، وتفسيره بالاثم مأخوذ من هذا أيضا وهو مجاز . والقصر ( بالفتح ) من القصر ( كعنب ) ضد الطول وقصرت الشيء جعلته قصيرا فالقصر من الصلاة هو ترك شيء منها تكون به قصيرة ويصدق بترك بعض ركعاتها وبترك بعض أركانها كالركوع والسجود والجلوس للتشهد . واختلف العلماء في هذه الآية فقيل إن المراد بالقصر من الصلاة فيها ترك بعض ركعاتها وهي صلاة السفر التي تقصر فيها الرباعية فقط فتصلى ثنتين ، وقيل بل المراد به صلاة الخوف مطلقا أو كيفية من كيفياتها وهي المبينة في الآية التي بعد هذه . وقيل بل المراد بها القصر من هيئتها لا من ركعاتها ، وقيل بل القصر من العدد والأركان جميعا . وجمع المحقق ابن القيم في الهدي النبوي بين الأقوال فقال في فصل صلاة الخوف : « وكان من هديه ( ص ) في صلاة الخوف ان أباح اللّه سبحانه وتعالى قصر أركان الصلاة وعددها إذا اجتمع الخوف والسفر . وقصر العدد وحده إذا كان سفر لا خوف معه ، وقصر الأركان وحدها إذا كان خوف لا سفر معه . وهذا كان هديه ( ص ) وبه يعلم الحكمة في تقييد القصر في الآية بالضرب في الأرض والخوف » اه وسيأتي تفصيل ذلك فقوله تعالى إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا شرط لنفي الجناح في قصر الصلاة ، والفتنة الإيذاء بالقتل أو غيره كما صرح به بعضهم وأصله الاختبار بالمكروه والأذى كما تقدم من قبل . قال ابن جرير : وفتنتهم إياهم فيها حملهم عليهم وهم ساجدون حتى يقتلوهم أو يأسروهم فيمنعوهم من إقامتها وأدائها ويحولوا بينهم وبين عبادة اللّه وإخلاص التوحيد له اه وليس هذا خاصا بزمن الحرب بل إذا خاف المصلي قطاع الطريق كان له أن يقصر هذا القصر